القاضي عبد الجبار الهمذاني

477

المغني في أبواب التوحيد والعدل

فإن قال : فأنتم تقولون إنه تعالى لو فعل شهوة القبيح منفردة عن العلم بقبحه والمنع من ذلك بالنهى ، لكانت قبيحة . ومتى فعلها مع هذه الأمور ، كانت حسنة . فما الّذي ينكر علينا أن نقول في أحد الوجهين العوض فيه على اللّه تعالى دون الوجه الآخر ؟ قيل له : قد بينا أن الشهوة في أحد الوجهين تحصل إغراء بالقبيح ، واللّه سبحانه تعالى عنه « 1 » . وفي الوجه الآخر لا يختص بذلك ، بل يقع التعريض للثواب . ففارقت « 2 » إحدى الحالتين الأخرى . وليس كذلك حالها في الإقدام على الظلم ؛ لأنها في الحالتين لم تخرج من أن تكون داعية ، وأن الظلم يقع باختيار المشتهى على جهة الإلجاء ، فيجب أن يكون العوض عليه . فإن قال : إذا كان تعالى قادرا على أن يسلبها هذه الشهوة ويجعل شهوتها في تناول النبات وما لا ضرر فيه ، فجعله تعالى شهوتها في هذا الضرر مع فقد التمييز والمنع يدل على أن العوض عليه . قيل له : / إن خلق هذه الشهوة فيها إذا حصل به فائدة سوى ما ذكرته ، فقد سقط قولك . وقد بينا أن الفائدة في ذلك أنه تعالى تعبدنا بمنعها من الظلم لما علمه من المصلحة في ذلك ، وإلزامنا من التحرّز من المضرة المخوفة من قبلها لما علم فيه من المصلحة . وذلك لا يتم لولا ما خلقه تعالى فيها من الشهوة . فإذا حسن خلقه تعالى لهذه العلة ، فمن أين أنه لا فائدة فيها إلا بتضمن العوض ؟ وكذلك الجواب لمن قال : هلا جعل شهوتها في تناول الميتة دون تناول الحيوان ؛ فلا وجه لتكراره . ومما يدل على ما ذكرناه أنه تعالى لو تضمن العوض من حيث مكنها ولم يصرفها بالفعل والنهى عنه ، لوجب أن

--> ( 1 ) أي تعالى عن الإغراء بالقبيح . ( 2 ) في الأصل : ففارق .